نبيل أحمد صقر
209
منهج الإمام الطاهر بن عاشور في التفسير ( التحرير والتنوير )
العالم : الخطاب فيه بالموصولية التي تشعر أن سبب التفضيل بما يعلمه الناس من فضل الرجال وإنفاقهم . كما أن إتيان ( ما ) مع الفعل " بما فضّل اللّه " إذا كان هناك تقدير للمصدرية فيه جزالة لا توجد كما لو كان القول " تفضيل اللّه " وبالإنفاق حيث يرجح العرب الأفعال على الأسماء في كلامهم . ويتضح لنا مما سبق - سواء مما ذكره ابن عاشور في المقدمة العاشرة ، أو من الأمثلة التي جاءت في ثنايا تفسيره - أن الإعجاز القرآني يقوم أولا على رفض مبدأ الصرفة ، وأن هذا الإعجاز كامن في القرآن ذاته ، وما جاء به من أساليب تجرى على سنن العرب في كلامهم إلا أنها أعجزت الفصحاء منهم على أن يأتوا ولو بآية من مثله في مجال التحدي والتوكيد لنبوة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والتأييد له ، وقد تتضافر عوامل كثيرة في بيان وجوه الإعجاز القرآني التي تتكشف لكل عصر سابق ولا حق والتي لا تنتهى عند حد ، ولكن اللغة هي أبرز هذه العوامل ، فهي التي برع فيها القوم ، وهي مجال التحدي ، لذا لعبت الدور الأمثل عند ابن عاشور في بيان الإعجاز حيث يقوم كل من الحرف واللفظة والجملة بدوره في الأداء المعجز ، ولا ينفصل أي منهم في دلالته عن الدلالات الأخرى لما تسعى إليه الآية من بيان ، وكان الشعر الجاهلي عنده من المصادر الأصيلة التي أعانته على ذلك . وابن عاشور من هذا المنطلق يمثل بحق الاتجاه العربي في بيان الإعجاز القرآني الذي يقوم على أصول عربية خالصة بعيدا عن اتجاه المناطقة الواقع تحت تأثير المنطق أو الفلسفة . وأيا ما كانت وجوه الفائدة عنده من الاستعانة بثمرة جهود البلاغيين الذين ذكرهم خصوصا عبد القاهر الجرجاني ونظرية النظم عنده إلا أن استقلاله وجهوده وذوقه كانوا من أنشط العوامل في هذا الميدان .